آل بوعينين وفتح (مُمباسَّا)

آل بوعينين وفتح (مُمباسَّا)

 

تقع مدينة (مُمباسَّا) على سواحل افريقيا الشرقية في الشرق من جمهورية كينيا وتعتبر ثاني مدنها الكبرى، وقد تم احتلالها من قبل البرتغاليون قرابة قرنين من الزمن وخضعت بعد ذلك للعمانيون حتى عصر السيد سعيد بن سلطان حاكم مسقط حيث كانت مستعمرة أوروبية دون تبعية تذكر من قبل، حتى أعلن راشد بن حمد بن سالم المزروعي الانفراد بحكمها في ثورة ٍ له عام 1837م (١).

 

 وتُسجل لنا الأحداث التاريخية أثناء هجرة (ال بوحسين)(٢) من آل بوعينين من بلدة الحويلة بشمال قطر عام 1835م إلى أبوظبي واستقرارهم بها ضمن حلفهم مع آل بن علي وزعيم الحلف الشيخ عيسى بن طريف ال بن علي أثناء فترة حربهم ضد شيخ البحرين الشيخ عبدالله بن احمد آل خليفه التي كانت بعد معركة الحويلة عام 1835م(٣) ، وعندما لم يجدوا النصرة الكافية من شيخ أبو ظبي سوى السماح لهم بالإقامة في أبوظبي اتجهت انظارهم منها عام 1837م إلى مسقط وحاكمها السيد سعيد بن سلطان لمناصرتهم، حيث كانت لحاكم عمان طموحات توسعية في حكم سواحل افريقيا الشرقية وخاصةً منطقة (مُمباسَّا) التي كانت تمثل همزة وصل بين الساحل العماني وسواحل افريقيا الشرقية وكانت تشكل مدخولاً جيداً لإيرادات عُمان التجارية واخشاب صناعة السفن ، وقد سر حاكم عُمان بعرض زعماء حلف آل بوعينين وال بن علي باستعدادهم لفتح مدينة (مُمباسَّا) وقلعتها وضمها لحكمه.

فقام السيد سعيد بتزويدهم بالمدافع والعتاد الحربي ورافقهم بسفينته مع اسطول محاربي آل بوعينين وآل بن علي إلى سواحل (مُمباسَّا) وتم حصارها وقصفها بالمدافع حتى استسلمت وتم فتحها ما عدا قلعتها الرئيسية التي تعرف بقلعة المسيح والتي تحتمي بها القوة الرئيسية المدافعة، وكانت في مكان مرتفع يطل سفحه على ساحل المحيط الهندي قبالة مينائها وهي من القلاع الحصينة الكبيرة التي بناها البرتغاليون اثناء احتلالهم لـ (مُمباسَّا) .

 

لقد كانت القلعة كبيرة جداً ومحصنة بالكثير من الرجال المسلحين بالعتاد الحربي من بنادق ومدافع وذخائر ويساعدها بذلك موقعها الإستراتيجي المرتفع فوق قمة السفح وأسوارها و أبراجها العالية و إحاطة البحر من معظم جوانبها وبالتالي سهولة اكتشاف اي عدوٍ قادم ٍ لغزوها بحراً وصعوبة اقتحامها دون تكبد خسائر كثيرة بالأرواح .

 

لا شك أن دهاء زعماء الحلف كان أقوى من تحديات الموقع الجغرافي العسير ومن التحصينات الدفاعية القوية حيث جمعوا أعداداً كثيرة من المواشي والحمير وربطوا على رقابها اغصاناً طويله وسميكة من الأشجار ووضعوا بأعلى الأغصان لفائف من الخياش والأقمشة بعد لفها وغمسها بالزيت، وفي منتصف الليل قام محاربي حلف آل بوعينين وآل بن علي بإشعال لفائف تلك الأغصان فأصبحت قناديلاً مشتعلة تجري بها المواشي والحمير بكل اتجاه والمحاربين يوجهونها إلى أعلى الجبل باتجاه القلعة.

 

فقام محاربي القلعة بإطلاق وابل رصاصهم على تلك المشاعل المتحركة معتقدين أنهم الغزاة، ومع انشغال المتحصنين بالقلعة بالدفاع عن جهة ساحلها وبعض أسوارها، التف محاربي الحلف حول القلعة ليقتحموها من بوابتها الخلفية المطلة على البر وبإطلاق نار كثيف أرعب من بداخلها وهم يقولون للمتحصنين بها : (استسلموا والا احرقناكم وقلعتكم بالنيران) فوقع الوهن والرعب بجنود القلعة رغم أن عددهم يتجاوز أضعاف المهاجمين ولكنهم انخدعوا بحيلة البهائم التي تتحرك بكل اتجاه خارج اسوار القلعة وهم يعتقدون في الظلام الدامس أن المحاربين يحيطون بالقلعة من جميع الجوانب. فاستسلمت القلعة عن بكرة ابيها وسلمت اسلحتها و ذخائرها جميعها وتم القبض على زعماء القلعة، كما تم اخلائها من المحاربين واستبدالها بحامية جند عمانية محلها .

 

وهكذا تم فتح مدينة (مُمباسَّا) وميناءها وسواحلها وضمها الى الحكم العُماني في ليلة ٍ واحدة ٍ دون سفك قطرة دم .

 

وفي الصباح الباكر قام زعماء الحلف برفع العلم السليمي (راية ال بن علي) فوق القلعة كنايةً عن استسلامها وقد شاهد تلك الأعلام حاكم عُمان السيد سعيد بواسطة المنظار والذي كان بسفينته الكبيرة بعيداً عن القلعة فعلم أن القلعة قد استسلمت لقوات الحلف، وقد سر بذلك النصر ووعد زعماء الحلف بنصرة قضيتهم عند عودتهم إلى عُمان وترتيب حملة من مسقط لحرب البحرين.

 

وكافأ الشيخ عيسى بن طريف وزعماء الحلف بالمال والهدايا (٤).

 

بعد فتح (مُمباسَّا) بقرابة عام واحد أي عام (1838)م هاجر الشيخ علي بن ناصر آل بوعينين وبرفقته (300) محارب وقيل أسرة إلى أبوظبي ليتحد شمل آل بوعينين وتتضاعف قوتهم وتقوى شوكتهم الحربية ويحسب لها خصومهم كل التدابير (٥).

 

الخلاصة :

 

وصى النبي يعقوب أبناؤه عند مقابلة حاكم مصر ومدير خزائنها بقوله (وَقَالَ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ ۖ وَمَا أُغْنِي عَنكُم مِّنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ ۖ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۖ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ۖ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ) لذلك كانت هجرات آل بوعينين إلى الدوحة على دفعتين وكذلك الوكرة وأبوظبي والجبيل فتكون الدفعة الأولى استطلاعية والثانية دعم للأولى، أما الثالثة فتبقى في موقعها القديم حمايةً له من الضياع .

 

المصادر:

(١) ال بوحسين كانوا يمثلون آنذاك اعداداً كثيرةً من فخذ النواصر آل بوعينين وهم ال بوحسين و الجابر و الشبيل و البوحسون و النصف و الدرويش و الحسن بمن فيهم المنصور و الشاعر و العمهج و السيار و البوهادي و المجحد و غيرهم ، أما الراشد و المسحل و الجبران وبقية محاربي أل بوعينين (300) محارب فلم يشاركوا في فتح (مُمباسَّا) وهاجروا إلى أبوظبي عام 1838م بعد الفتح بعام واحد.

(٢) العُمانيون وقلعة (مُمباسَّا) ـ سلسلة تراثنا ـ عدد 9 ـ ص 18 ـ ط 3 ـ 1994م ـ وزارة التراث القومي والثقافة ـ سلطنة عُمان .

(٣) بريطانيا والخليج ـ جون . ب . كيلي ـ ترجمة محمد امين عبدالله ـ ج 1 ـ ص 629 ـ وزارة التراث القومي والثقافة ـ سلطنة عُمان

(٤)تفاصيل هذه الأخبار تم نقلها من بعض المؤرخين ومنهم المؤرخ عبدالله بن حسين ال بن علي رحمه الله وبعض المعمرين رحمهم الله.

(٥) قصر الحصن – وملف وثائقي كامل عن هجرة آل بوعينين الى ابوظبي.

 

مقالات أخرى